اندلاع حريق في ورشة، تسرب مادة كيميائية، انهيار سقالة، عامل فاقد للوعي في قاع حفرة: في هذه اللحظات، لا ترتجل المنظمة تصرفها، بل تطبق ما سبق أن أعدته. هذا هو موضوع الفقرة 8.2 من مواصفة ISO 45001:2018، التي تفرض إنشاء وتنفيذ والحفاظ على عمليات للاستعداد لحالات الطوارئ المحتملة والاستجابة لها. يوضح هذا المقال ما تتطلبه المواصفة، وكيفية ربط هذه الحالات بتقييم المخاطر لديكم، وكيفية بناء نظام موثوق في الميدان، في ضوء الإطار التنظيمي المغربي.

ما تتطلبه الفقرة 8.2 من ISO 45001

يتناول الفصل 8 الأنشطة التشغيلية. فبعد الضبط التشغيلي (8.1)، تتناول البند 8.2 الاستعداد والاستجابة لحالات الطوارئ. ولا تكتفي بخطة على الورق، بل تفرض عملية حية، تقوم على متطلبات متكاملة.

  • التخطيط للاستجابة لحالات الطوارئ المحددة، بما في ذلك توفير الإسعافات الأولية.
  • الاستجابة الفعلية لحالات الطوارئ الحقيقية عند وقوعها.
  • مراعاة الأطراف المعنية ذات الصلة وإشراكها عند الاقتضاء (فرق الإنقاذ الخارجية، الجوار، المقاولون من الباطن، الزوار).
  • اختبار وتمرين القدرة على الاستجابة بشكل دوري، كلما أمكن ذلك.
  • تقييم العمليات والوسائل ومراجعتها عند الضرورة، لا سيما بعد تمرين أو حالة طارئة فعلية.
  • إعلام وتكوين جميع العاملين بشأن التزاماتهم ومسؤولياتهم في حالات الطوارئ.
  • إبلاغ المعلومات المفيدة للمقاولين من الباطن والزوار وفرق التدخل والسلطات، وعند الاقتضاء، للمجتمع المحلي.

المنطق الجوهري واضح: الاستباق، ثم الفعل، ثم التعلم. هذا الثالوث لا ينفصل عن دورة التحسين المستمر التي تُبنى عليها منظومة إدارة الصحة والسلامة المهنية. فالاستعداد لحالات الطوارئ يستمد مادته من تحليل المخاطر المسبق، ويغذي بدوره التغذية الراجعة اللاحقة.

تحديد حالات الطوارئ المحتملة: الصلة بتحديد المخاطر وتقييمها

لا يمكن الاستعداد جيدا إلا لما جرى تحديده أولا. فالسؤال الجوهري في البند 8.2 هو: أي حالات طوارئ يمكن أن تقع في سياقنا؟ والجواب يُستنبط من مسار تحديد الأخطار وتقييم المخاطر الذي تفرضه الفقرة 6.1.2.

عمليا، يُعاد النظر في كل خطر جوهري وارد في تقييم المخاطر من زاوية سيناريو الطوارئ: ماذا يحدث إذا تجاوز الموقف الضبط المعتاد، أو إذا تعطلت معدة، أو إذا خرج تفاعل عن السيطرة؟ يحوّل هذا المنظور سطر تحليل المخاطر إلى سيناريو تدخل. من الأمثلة النمطية في مجال السلامة والصحة المهنية:

  • الحريق والانفجار: المواد القابلة للاشتعال، اللحام، التمديدات الكهربائية، الأغبرة القابلة للاحتراق.
  • الحادث الجسيم: السقوط من ارتفاع، السحق بواسطة آلية، الانحشار بآلة، الإسقاط.
  • التعرض الخطير: انسكاب أو انبعاث مواد كيميائية، جو سام أو فقير بالأكسجين في فضاء محصور.
  • الانهيار: انكسار سقالة، الدفن في خندق، انهيار بنية أو مكان تخزين.
  • الطوارئ الصحية: الإغماء، السكتة القلبية، التسمم الذي يستلزم تنظيم إسعافات أولية.

ويجب أيضا مراعاة حالات الطوارئ ذات المنشأ الخارجي التي قد تمس العاملين (حدث طبيعي، حادث لدى جار صناعي) والآثار المتسلسلة، مثل حريق يتسبب في تعرض كيميائي. ويجب مراجعة هذا التحديد عند كل تغيير في المسار الصناعي أو المعدات أو الموقع أو المواد الأولية.

بناء نظام استجابة موثوق

يُبنى النظام سيناريو بسيناريو. فالخطة الفعالة للطوارئ تحدد، لكل حالة، من يفعل ماذا، وبأي وسائل، ووفق أي تسلسل. من مكوناتها المتكررة:

التنظيم والأدوار

تعيين وتكوين الأشخاص الرئيسيين: أطقم التدخل الأول، مرشدو ومرافقو الإخلاء، المسعفون، منسق الاتصال مع فرق الإنقاذ الخارجية. يجب أن يكون كل دور معروفا ومُوثقا ومغطى باستمرار، بما في ذلك خلال أوقات العمل المتأخرة وفترات العطل. وفي المغرب، يندرج هذا التنظيم ضمن مدونة الشغل (القانون رقم 65.99)، في بابها الرابع المتعلق بحفظ الصحة والسلامة، التي تلزم المشغل بحماية صحة وسلامة الأجراء، وتُشرك لجنة السلامة وحفظ الصحة وطب الشغل في الوقاية والإسعافات الأولية.

الوسائل والإشارات

توفير التجهيزات الملائمة: وسائل الإطفاء، الكشف والإنذار، عتاد الإسعافات الأولية، مرشات ومغاسل العين لمخاطر المواد الكيميائية، وسائل الإنقاذ في الفضاءات المحصورة أو المرتفعة. ويجب أن تكون مخططات الإخلاء ومخارج الطوارئ والتعليمات معلقة وواضحة ومصانة بشكل غير معاق.

الإنذار والإخلاء والاتصال بالجهات الخارجية

تحديد سلسلة الإنذار الداخلي والخارجي، وطرائق الإخلاء أو الاحتماء، ونقاط التجمع، وإحصاء الأشخاص. وتشدد المواصفة على مراعاة الأطراف المعنية: تحديث بيانات الاتصال بمصالح الإنقاذ، ونقل المعلومات المفيدة للمقاولين من الباطن والزوار، والتواصل في حالات الأزمات مع السلطات وعند الاقتضاء مع الجوار.

التوثيق

يستند النظام إلى معلومات موثقة محدّثة: خطط الطوارئ، تعليمات كل منصب، بطاقات تذكيرية موجزة. والهدف ليس حجم الوثائق بل فائدتها في الحالة الفعلية.

التمارين والاختبارات: اختبار الاستجابة

الخطة التي لم تُختبر قط ليست سوى فرضية. تطلب الفقرة 8.2 اختبار القدرة على الاستجابة بشكل دوري، كلما أمكن ذلك. وتتحقق التمارين من أن الوسائل تعمل، وأن الأشخاص يعرفون أدوارهم، وأن أزمنة الإخلاء مقبولة، مع الحفاظ على ردود الفعل التلقائية.

  • تمارين الإخلاء للتحقق من مسارات الإخلاء والإنذار والإحصاء عند نقطة التجمع.
  • محاكاة موجهة حسب السيناريو: اندلاع حريق، انسكاب، إنقاذ في فضاء محصور، التكفل بمصاب خطير.
  • تمارين مكتبية لاختبار التنسيق وسلسلة اتخاذ القرار دون تعبئة الموقع بأكمله.
  • تمارين مشتركة مع فرق الإنقاذ الخارجية عندما يبرر مستوى الخطر ذلك.

يجب مراقبة وتقييم كل تمرين وفق أهداف محددة سلفا. والانحرافات المُلاحظة ليست إخفاقات بل مادة أولية للتحسين. وتُحدد وتيرة التمارين وفق مستوى الخطر والتمارين السابقة.

التغذية الراجعة والمراجعة

المتطلب الأخير، وغالبا ما يكون الأكثر إغفالا، يغلق دورة العملية: تقييم ومراجعة النظام بعد كل تمرين، وقبل كل شيء بعد أي حالة طوارئ حقيقية. فالحريق الذي تمت السيطرة عليه، أو الإخلاء الناجح، أو الحادث الذي جرى تفاديه بأعجوبة، تحمل جميعها دروسا يجب تحويلها إلى إجراءات ملموسة.

وترتبط هذه التغذية الراجعة ارتباطا وثيقا بمسار التحقيق في الحوادث والإجراءات التصحيحية (الفقرة 10.2): فقد يكشف التحليل عن سيناريوهات لم يُتنبأ بها، أو وسائل غير ملائمة، أو أدوار غير مغطاة بشكل جيد. وعندها يجب أن تصعد الاستنتاجات إلى تقييم المخاطر لإعادة تقييمها، ثم تنزل إلى خطط الطوارئ والتكوين والوسائل.

وأخيرا، يظل الإعلام والتكوين متطلبا دائما وليس حدثا عابرا. فيجب أن يعرف العاملون تعليمات مناصبهم، وأن يُدمج الوافدون الجدد منذ استقبالهم، وأن يتلقى المقاولون من الباطن والزوار المعلومات الأساسية قبل الولوج إلى الموقع. وهذا الترابط بين التحديد والاستعداد والتدريب والتعلم هو ما يميز الامتثال الحقيقي عن الامتثال الشكلي.

للتحقق من وضعكم بخصوص الفقرة 8.2 والمتطلبات الأخرى، تضع HEMC رهن إشارتكم شبكة الاستعداد لتدقيق ISO 45001، أداة مجانية للتقييم الذاتي لنظامكم في الاستجابة لحالات الطوارئ ولعملياتكم في مجال الصحة والسلامة المهنية.